كثيرة هي الخطوط الحمراء في المجتمعات الشرقية، التي توصف أغلبها بالمجتمعات المحافظة (المتدينة) الرافضة للظواهر الشاذة والداعية لمحاربتها، لكن ذلك لا يلغي وجود مثل هذه الظواهر، رغم أنه ينزل بها إلى عوالم تحت الأرض تحيط بها السرية والغموض ويلفها الخوف من المجتمع والسلطات، إذ تعاقب أغلب السلطات المدنية والدينية عليها، ومنها الشذوذ الجنسي.
ألقت السلطات السورية صباح الأحد القبض على الشابين المدعوين " ج.س" و "م.ع" اللذان قاما بعقد قرانهما داخل أحد كنائس دمشق الشهيرة، بحادثة تعتبر هي الأولى من نوعها في العاصمة السورية، بعد أن قاما بعرض ألبوم صور الزفاف على شبكة فيسبوك، حيث أعترفا بقيامها بحفل ارتباط رسمي بحضور بعض الاصدقاء فقط، وقد تم ذلك بالتنسيق مع أحد الكهنة المعروف عن تسامحه الشديد مع المثليين في دمشق
ضغط اجتماعي
يقول فادي، أحد المثليين في مدينة الرقة التي تعد عاصمة تنظيم الدولة الإسلامية، لعنب بلدي «لقد كنا نعيش حياتنا بشكل عادي، نخرج مع أصدقائنا في نزهات إلى الحدائق والمناطق العامة في ظل النظام وبعده مع بقية الفصائل التي سيطرت على المنطقة بما فيها جبهة النصرة، إلا أننا اليوم نخشى الخروج من بيوتنا».
الشاب الذي احتفل بعيد ميلاده الخامس والعشرين مع رفاقه قبل أن يخرج من الرقة نحو تركيا، يقول «لايزال هناك بعض الأصدقاء في الداخل الذين يرفضون الخروج ويصرون على البقاء رغم المخاطر التي تحيط بهم من كل جانب، ورغم معرفتهم أن ذلك قد يكلفهم حياتهم في حال تسرب أي خبر للتنظيم عنهم وعن أسلوب حياتهم».
ورغم انتقال شريحة واسعة من هذا المجتمع السري إلى الدول المجاورة إلا أنهم حافظوا على سرية حياتهم وعلاقاتهم، ومنهم من تزوج للحفاظ على صورته الاجتماعية، كما يشرح فادي، «نحن ممنوعون من الكلام ومن التعبير عن أنفسنا في ظل مجتمعات تعاني من الرهاب في جميع أشكاله، وربما تشكل لنا فرصة الخروج من سوريا نافذة للخروج نحو حياة جديدة نعيشها في الشمس ودون الخوف من أحد»
ما هي الفتوى الشرعية للعلاقات المثلية؟
الشاب الذي احتفل بعيد ميلاده الخامس والعشرين مع رفاقه قبل أن يخرج من الرقة نحو تركيا، يقول «لايزال هناك بعض الأصدقاء في الداخل الذين يرفضون الخروج ويصرون على البقاء رغم المخاطر التي تحيط بهم من كل جانب، ورغم معرفتهم أن ذلك قد يكلفهم حياتهم في حال تسرب أي خبر للتنظيم عنهم وعن أسلوب حياتهم».
الشيخ أحمد سعيد حوى، عضو الأمانة العامة في المجلس الإسلامي السوري، اعتبر أنه «لا خلاف عند الفقهاء بأن كل علاقة خارج عقد الزواج الشرعي هي زنا محرم، وإذا كانت بين المثلين فهي لواطة أو سحاق، وهذا الفعل أشنع من الزنا وأقبح في منظار الشرع، ولا يجوز».
وأضاف حوى لعنب بلدي «ليس هناك الآن في سوريا جهة صاحبة ولاية شرعية لإقامة الحدود (لهذا النوع أو لغيره)، ولكن يمكن أن يكون هناك عقوبة تعزيرية من جهة لها سيطرة على الأرض كالمحاكم الشرعية في المناطق المحررة من باب التأديب حتى لا تمر الجرائم بدون عقوبة».
وحول الشروط التي يجب أن تتوافر في الحالة حتى يقر بعقاب لها، أكد الشيخ على ضرورة «إثباتها على الإنسان أولًا بالبينة الشرعية أو بالإقرار من غير شبهة، وأن يكون بالغًا عاقلًا مكلفًا ليس عنده شبهة ولا عذر كالإكراه مثلًا، فيعاقب لتكون عقوبة رادعة لأمثاله ولتطهير المجتمع من هذه الفاحشة».
كيف يعاقب الدستور السوري المثليين؟
وسط غياب دستور معتمد للمناطق المحررة في سوريا، ننظر في الباب السابع الخاص بالجرائم المخلة بالأخلاق والآداب العامة في قانون العقوبات السوري المعمول به منذ عام 1449، وتنص المادة 520 من الفصل الثاني على «عقوبة المجامعة على خلاف الطبيعة، وهذه الجريمة لا يمكن أن تتم إلا بين شخصين من البشر، أما إذا كانت بين إنسان وحيوان فلا تعد من هذا النوع من الجرائم، ولكنها يمكن أن تدخل في الجرائم الواردة في باب التعرض للآداب والأخلاق العامة من قانون العقوبات».
وقد اشترط لهما القانون «ارتكاب الجرم بصورة علنية في المادة 208 منه، فإذا لم يتم هذا الشرط فإن عناصر الجريمة تبقى غير متوفرة».
ويتطلب الجرم أيضًا أن «يكون واقعًا على شخص أتم الخامسة عشرة من عمره برضاه فهو يعتبر من نوع الجنحة».
وتنص المادة 520 على أن «كل مجامعة على خلاف الطبيعة يعاقب عليها بالحبس حتى سنة واحدة جاءت مطلقة تشمل الجنسين».
«الشذوذ» الجنسي عبر التاريخ
وفق دراسة للباحثة الدكتورة نهى قاطرجي، نشرت في مجلة البيان عام 2010، فإن أول من جاهر بالشذوذ الجنسي هم قوم لوط، لذلك أصبح هذا الفعل يُسمى باسمهم، وبعد ذلك فإن الفعل عرفته كثير من الأمم كالآشوريين، والبابليين والمصريين، والهنود، واليونانيين، والفرس ثم العرب.
ويذكر الفيلسوف الفرنسي فوكو Foucault أن فهم الغربيين للجنسية المثلية يتأتى من معايشة مرحلتين: المرحلة الأولى عندما حاول المحللون النفسيون أواخر القرن التاسع عشر الميلادي إعادة تعيين الجنسية المثلية من منظور علماني؛ بعيدًا عن الحكم المسيحي الذي حرم مثل هذا الفعل. والمرحلة الثانية عندما استطاعت تلك الأقلية الشاذة التي اختلقها المحللون النفسيون تحويل هويتهم الجنسية إلى مصدر قوة لهم وتناصر.
وكان من نتائج تشريع علماء الغرب لهذا الفعل أن انعكست نتائجه على الصعيد الواقعي والتشريعي. حيث تغير واقع الشاذين جنسيًا بعد الفترة التي عرفت بالثورة الجنسية، وبدأ ظهور هؤلاء يأخذ طابعًا علنيًا. ومن مظاهر هذه العلنية اجتماعهم عام 1968، في فندق ستون وول في نيويورك، والذي نتج عنه اندلاع أعمال الشغب لثلاثة أيام متواصلة، نادى فيها الشاذون بسقوط «الرجعية الجنسية».
ومنذ ذلك التاريخ إلى الآن يتزايد سعي هؤلاء إلى تشريع وجودهم شيئًا فشيئًا، وكان من نتائجه تعديل قوانين بعض الدول التي تحرم الشذوذ حتى تتماشى مع رغباتهم، كما حصل في القانون البريطاني الذي لم يعد يعتبر منذ سنة 1967 الشذوذ الجنسي فعلًا جرميًا ما دام قائمًا بين اثنين راشدين بالغين ومتفقين على ممارسة الفعل.
وفي حزيران 2015 أصدرت المحكمة العليا في الولايات المتحدة حكمًا يقضي بمنح الحق للمثليين جنسيًا بالزواج في كافة الولايات الأمريكية، وهو الحكم الذي وصفه الرئيس باراك أوباما، أنه «انتصار لأمريكا.. وانتصار للحب».
علق برقم 1 ليصلك كل جديد
علق برقم 1 ليصلك كل جديد


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق